الزركشي

26

البرهان

أحدها : أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا ، ألا ترى أنه ذكر الحية في عصا موسى عليه السلام ، وذكرها في موضع آخر ثعبانا ، ففائدته أن ليس كل حية ثعبانا ، وهذه عادة البلغاء ، أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة ، لصفة زائدة . الثانية : أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله ، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون عنه ما نزل بعد صدور الأولين ، وكان أكثر من آمن به مهاجريا ، فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم ، وقصة عيسى إلى آخرين ، وكذلك سائر القصص ، فأراد الله سبحانه وتعالى اشتراك الجميع فيها ، فيكون فيه إفادة القوم ، وزيادة [ تأكيد وتبصرة ] ، لآخرين وهم الحاضرون ، وعبر عن هذا ابن الجوزي وغيره . الثالثة : تسليته لقلب النبي صلى الله عليه وسلم مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم قال تعالى : ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) . الربعة : أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة . الخامسة : أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام ، فلهذا كررت القصص دون الأحكام .